الخميس، 10 يناير، 2013

اشتراك الجوابيص فى مساندة القبائل البدوية فى حرب التبو


بقلم: الرّاصد السياسي الليبى


----------------------------------------------------------------



ورد في ساعة متأخّرة من مساء يوم 30 يونيو الفائت نبأ نشرته بعض وسائل الإعلام، وأبرزها فضائيّة العربيّة،أن تنظيما سياسيّا يسمّي نفسه "جبهة إنقاذ تبو ليبيا" وزّع بيانا يطالب فيه نظام القذّافي بدفع تعويضات عمّا ألحقته حروبه بتشاد من ضحايا بشريّة وماديّة بسكّان التبو في المنطقة،وخاصة في جبال تيبيستي. وجاء في البيان أيضا حقّ التبو في أن تكون لهم دولة تبدأ من "أوجله" وتمتدّ حتى "أوزو" !

يجيء هذا الخبر عشيّة جولة القذّافي التي بدأت بموكب سيّاراته البالغة عدّة مئات تحمل الأموال والمؤن والجنود المدجّجين بالأسلحة، والذي بدأ من مالي جنوبي الصحراء الكبرى، ليخترق غربي أفريقيا الإستوائيّة: غينيا كوناكري - سيراليون - ساحل العاج إلى أكرا عاصمة غانا، حيث سينعقد فيها مؤتمر القمّة الأفريقيّة المخصّص،كما يحلم،لإعلان حكومة إتحاديّة واحدة تحكم الدول الثلاث والخمسين (فيما عدا المغرب) والتي ستسمّى "الولايات المتحدة الأفريقيّة"،ونطقها القذّافي بالإنجليزيّة المكسّرة أثناء خطبه في الرحلة باسم "United African States" ! وقبلها بليلة واحدة وفي خطابه في أبيدجان عاصمة ساحل العاج ذكّر رئيسها ورئيس وزرائها بأنه يشعر بالفخر لأنه استطاع أن يصالح بين الرئيسين لتكوين حكومة وحدة وطنيّة، بعد الحرب الأهليّة التي دامت سنوات بينهما (الواقع أن الذي حقّق الصلح كانوا هم رؤساء جنوب أفريقيا وغانا وبوركينا،بعد فشل عدّة محاولات زئبقيّة من القذّافي ومبعوثه التريكي). وصباح يوم مغادرته إلى غانا، أُطلق صاروخ على مروحيّة كان يستقلّها رئيس وزراء ساحل العاج الذي نجا بأعجوبة، وبذلك ستشتعل الحرائق من جديد، ويُستبعد حضور رئيسها لعرس القذّافي الوحدوي! واستطرد القذّافي في خطابه متبجّحا إنه إستطاع أيضا تحقيق الصلح والسلام والوحدة في دارفور.

وحتى نختصر أوديسّا القذّافي الأفريقيّة (أي رحلاته ومغامراته وطرائفه في القارّة)، نتوقّف عند دارفور التي أعلن أنه سيعقد بشأنها مؤتمرا عالميّا في يوليو المقبل (ولا تسألوا لماذا المؤتمر وقد حلّ المشكلة ؟!). ذلك أن نبأ إعلان التبو عن نيّتهم في إنشاء دولة لهم في جماهيريّة القذّافي، لا تخلو من أبعاد تاريخيّة ومعاني ومفارقات لا يعلمها الكثيرون من الليبيين. وفيما يلي نقاطا مركّزة تحتاج إلى الإسهاب مستقبلا:

• يعتبر التبو من القبائل الرّحّل التي كانت تسكن في الجنوب الليبي،وموطنهم الرئيسي كان تيبيستي. وفي الأصل فإن الرحّل من السّودان النيلي، وهم الزّغاوة أحدى ضحايا الحرب الأهليّة في دارفور الآن، ويتحدّر منهم إدريس ديبي رئيس تشاد،يعتبرون من شعوب التبو مع مزيج من الأمازيغ والعرب، ولغتهم من أسرة (تيدا دازا). ولكن التبو نزحوا عبر السنين وانتشروا حتى فزّان وبحيرة تشاد والعنيدي،إلى أن تمركزوا في الصحراء الليبيّة الوسطى واحتلّوا واحاتها وكوّنوا سلطنتهم وعاصمتها كانت (تازربو). و(بو) تعني بلغتهم "موطن"، أي موطن تازر.

• أثناء الهجرات والغارات المتبادلة بين القبائل الليبيّة لا سيّما أولاد سليمان والمغاربة والمجابرة والقذاذفة .. إلخ وبين السلطنات السودانيّة المتأخّمة،سيطرت أسرة بني خطّاب الأمازيغيّة الليبيّة على فزّان ووصلت جنوبا حتى سلطنة كانم،وبذلك إستقرّ الأمن وازدهرت تجارة القوافل،إلاّ أنه في العام 1172-3 أطاح المغامر المملوكي شريف الدين قراقوش بحكم بني خطّاب،فعادت الفوضى وأعمال الغارات والسبي من جديد وهدّدت طرق التجارة. إلى أن قام سلطان كانم (الماي دوناما ديلامي)، في الفترة من 1221-1259 بالغارة على فزّان وضمّها إلى سلطنته،يقال بمساعدة من التبو،وإنه عيّن توباويّا حاكما عليها،وسعى للسيطرة على منافذ التجارة مع الشرق عبر الودّان والجفرة وسرت.

• في بداية القرن السادس عشر وقعت فزّان تحت حكم محمّد الفاسي أحد الأشراف من أصل مرّاكشي، وتوارث حكمها غير المستقرّ أفراد أسرته (أولاد محمّد) طيلة فترة القرون الثلاثة القادمة،والذين جعلوا عاصمتها مرزق،وعقدوا إتفاقات مع ولاة العهد العثماني الأوّل. وعندما تولّى حكم طرابلس الغرب يوسف باشا القرمانللي توّغّل بجيوشه حتى برنو التي سيطرت على كانم وبقيّة ممتلكاتها،واستطاع السلطان محمّد الأمين الكانمي، وأصله من فزّان، أن يطيح بسلطانها ويحلّ محلّه،وأن يتحالف مع الباشا القرمانللي. إلى أن جاء التغلغل الأوروبّي الفرنسي والبريطاني لمحاربة تجارة الرّقيق والإستيلاء على موارد الإقليم،وخاصة الذهب،ومنافذ تجارته.

• وخلال نفس بداية القرن السادس عشر قامت أوّلا قبيلة الجوازي من قبائل برقة الشرقيّة بالغارة على سلطنة التبو في الكفرة والواحات التابعة لها (تازربو- بزيمه- ربيانه - الهوّاري - الهويويري - جبابو التي تشمل الجوف والزرق وبومه والبويمه) وأجلت التبو عنها، حيث استقرّت هناك لفترة مائة وخمسين سنة. ولكن غارات التبو والقبائل الأخرى المضادّة عليها، أجبرتها على الرحيل إلى موطنها جنوبي بنغازي،ومن ثمّ،وعقب صراعها مع بقية السعادي،هاجرت إلى مصر وأقامت بها حتى الآن. وبعد عدّة سنوات غزت الكفرة وواحاتها المذكورة قبيلة الزويّة المنتمية إلى قبائل الحساونة في وادي الشّاطيء. وكان الزويّة قد استوطنوا إجدابيا منذ مائتي سنة مضت حيث أصبحوا فيها وكلاء (صدقان) للمغاربة،ولكنهم مع مرور الوقت أخذوا يزحفون جنوبا إلى أن أقاموا في (جخرّة) ثم هاجموا التبو في الكفرة وواحاتها وأجلوهم عنها ( بمساندة من قبيلة الجوابيص المصريّة) وكانت قبيلة الجوابيص لها خبرة فى حرب الصحراء وكانت قوة شرسة فى دحر اى غازى وكانت دائما تساند اخوانهم من القبائل الليبيه فى الحروب ضد الغازيين . ولم يبق من التبو،عند الغزو الإيطالي سنة 1911 أقلّ من 200 شخصا.

• استمرّ الكرّ والفرّ بالغارات على الكفرة بين جميع قبائل القبلة البرقاويّة إلى أن حلّت بها الحركة السنوسيّة بزعامة السيّد المهدي السنوسي سنة 1895، والذي نقل مركز الحركة من الجغبوب إلى (التاج) بالكفرة، بدعوة (استعطاف) من الزويّة،وعلى الفور بسطت السنوسيّة عقيدتها وساد الأمن والسلام، وازدهرت زراعة وتجارة واحاتها،وتحوّلت إلى مكانتها المعروفة.

من هذا العرض التاريخي يمكننا تلمّس الجذور التاريخيّة وعلاقات التبو مع القبائل الليبيّة. وعندما جاء القذّافي وطبّق سياساته الهوجاء التي أشعلت الحروب مع تشاد وجلبت الكوارث على أهل ليبيا وتشاد،مُني بالهزائم المتكرّرة،وعاد من الغنيمة بالإياب،فحصلت تشاد على شريط أوزو بحكم دولي، ولكن القذّافي لم يرعوي ولم يتخلّى عن مواصلة تدخّلاته،وإثارة الفتنة بين قبائل تشاد ودارفور والسّودان ولأكثر من ثلاثين سنة،مستعملا أمواله الضخمة وترسانته الحربيّة. وفي مشاريعه العبثيّة غير المسئولة شجّع قبائل تشاديّة وسودانيّة على المجيء إلى فزّان والكفرة وأقطعهم الأراضي والمساكن،متوهّما تكوين جماهير مناصرة ومنقادة له لتكون بديلا أو رادعا لجماهير الشعب الليبي التي تكرهه ولم تعترف بزعامته. وتعالت أصوات ليبيّة في السنوات الأخيرة تحذّر من هذه السياسات المتهوّرة الحمقاء،ولكن القذّافي سدر في غيّه ورأيناه في فضائيّته مبتهجا في صلف وخيلاء وهو يشقّ بموكبه صفوف هؤلاء المهاجرين المرحّبين به العارفين بأفضاله في قراهم الجديدة التي بناها لهم، وحُرم الليبيّون أهل البلاد الأصلاء منها.

ولا شكّ أن مسلسل مشروعات القذّافي المعروفة: (سين صاد - ميثاق إتحاد الصحراء - تنصيب نفسه سلطانا للتوارق - إعادة إنشاء الخلافة الفاطميّة.. والبقيّة تأتي!) سترتدّ عليه حتما بالوبال والخيبة والإنكسار. وإذا ما صدق النبأ عن حركة التبو في ليبيا، فهذا يعني أن الدول التي تناصبه العداء المضمر، لاسيّما تشاد والسّودان (بل وحتى الجزائر ومصر)، ربّما أخذت تتحيّن الفرص لتسديد ضرباته إليه بنفس أساليبه ردّا على تدخّلاته وزرعه للفتن في بلدانها. ولا يعوزها الدعم الإقليمي والدولي للتخلّص من هذه الآفة التي أهلكت بيئة الإقليم ونكّبت أهله. وليس من باب المفارقة أن يُزفّ هذا الخبر إليه - أيّ مظهر إنشقاق في عُقر داره - وهو غارق حتى الأذقان في الترويج بالمال والإبتزاز لدى الرؤساء الأفارقة المستهزئين به في أكرا، لإقناعهم بمشروعه الوحدوي الأضحوكة !